محمد جمال الدين القاسمي

472

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والمعنى : أطلب معبودا ، لأنهم كانوا يتحاكمون إلى طواغيتهم - وهذا عندي أظهر - ثم رأيت في ( تنوير المقباس ) الاقتصار عليه ، حيث قال أَبْتَغِي حَكَماً أعبد ربّا . وأما كون الآية واردة على قولهم ( اجعل بيننا وبينك حكما ) فلا يصح ، لأنهم بمعزل عن الانصياع لذلك . وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ أي : القرآن المعجز ، مُفَصَّلًا أي : مبينا فيه الفصل بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، وأنتم أمة أمية ، لا تدرون ما تأتون وما تذرون . وفي الآية مسائل : الأولى - قال في ( الإكليل ) : استدل الخوارج بقوله تعالى أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً على إنكارهم التحكيم . قال : وهو مردود ، فإن التحكيم المنكر أن يريد حكما يحكم بغير ما حكم اللّه تعالى . انتهى . قلت : هذا مبنيّ على الوجه الأول ، وقد عرفت أن الأظهر الوجه الثاني ، فلا استدلال ، ولا ردّ . الثانية - قالوا : الحكم أبلغ من الحاكم ، وأدل على الرسوخ ، لما أنه لا يطلق إلا على العادل ، وعلى من تكرر منه الحكم ، بخلاف الحاكم . الثالثة - في الآية تنبيه على أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين ، مغن عن غيره ، ببيانه وتفصيله . وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين ، ولتصديقه ما عندهم ، مع أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يمارس كتبهم ، ولم يخالط علماءهم . وهذا تقرير لكونه منزلا من عند اللّه ببيان أن الذين وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيقته ونزوله من عنده تعالى . فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي : في أنه منزل من ربك بالحق ، بسبب جحود أكثرهم وكفرهم به ، فيكون من باب التهييج والإلهاب ، كقوله تعالى : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * [ الأنعام : 14 ] . قال ابن كثير : هذا كقوله تعالى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ، لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [ يونس : 94 ] . قال : وهذا شرط ، والشرط لا يقتضي وقوعه . ولهذا جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : لا أشك ولا أسأل . انتهى .